إختصاص المحكمة الجنائية الدولية فى جرائمِ دارفور ليس مَحَلِ مُسَاومَة

 

إختصاص المحكمة الجنائية الدولية فى جرائمِ دارفور ليس مَحَلِ مُسَاومَة
عبد العزيز عثمان سام
الشكرُ للجهدِ الإعلامى الذى يقومُ به الأستاذ خالد الإعيسر من لندن لإسنادِ الثورة السودانية من خلال ظُهورِه فى القنواتِ الفضائية وإظهاره لما يدورُ بالداخلِ، وفضحِ أكاذيب النظام الذى يقتلُ المُتظاهرِين ويُعذِّب المُعتقلِين ويقتلُهم، ثمَّ ينكُر.
ولكن أخطأ خالد الأعيسر وانْحَرفَ بشِدَّة عندما ذكرَ على قناةِ الحُرَّة الفضائية أوَّل أمس أنه: (ليس من مناصرى ومؤيِّدى فِكرة محاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاى، لأنَّها محكمة إستِعمارية مُسخَّرَة من الرجلِ الأبيض، وأنه مع تحقيق العدالة داخل السودان). ولست هنا لأُبَرِّرَ لماذا تمَّ إتهام قادة النظام الحاكم أمام المحكمة الجنائية الدولية لأنَّ ذلك أمرٌ انتهى الجدل الفِقهى والقانونى حوله بأنَّ الجرائم التى تُرتكبُ ضِدَّ الإنسانية خِلال أنتهاكات فظيعة ضد أُناس عُزَّل كما حدث فى أقليم دارفور تُهَدِّد السِلم والأمن الدوليين، فإنَّ الإختصاصَ ينعقدُ للمحكمة الجنائية الدولية بلاهاى، والإحَالة إليها يصدُر بقرار من مجلسِ الأمنِ بالأممِ المتحدة صاحبُ الولاية فى حِفظِ السِلم والأمنِ الدوليِّين.
وعليه تكونُ صيحة الأعيسر بلا قيمة وستذهبُ ادْرَاج الرياح، وتتركُ غُصَّة ألِيمة فى حلوقِ الضحايا من أهلِ دارفور، ويشاركهم الألم شعوب هوامشِ السودان الذين نفَّذَ فيهم هذا النظام قتلاً وإبادة، وتطهير عِرقِى.
الأعيسر كغيره من الجَلَّابة يدعَمُ الإفلات من العِقابِ Impunity وهو ضِمن التيَّار الذى يرفض محاكمة البشير وزُمرته فى دَمِ وعِرضِ أهلِ دارفور وبقية هوامش السودان، وهذا ثابِت ثقافى راسِخ فى وِجدَانِ أهلِ المركز السودانى والأعيسر أخرجه بطوعِهِ دُون أن يَسأله المُذِيع عن رأيِه فى محاكمَةِ البشير فى لاهاى.
والأعيسر يؤسسُ لرأيِه فى إسنادِ الإفلات من العِقابِ للبشير بحُجَّةٍ أوْهَنَ من خيطِ العنكبُوت، قال ماذا؟ قال لأنَّ للمحكمةِ الجنائية الدولية عيوب هى أنَّها:
1. محكمة استِعمارِيَّة، 2. محكمة مُسخَّرة من الرجُلِ الأبيض، 3. أنَّ العدالة تتحقق داخل السودان. فنقولُ للأعيسر إنَّ قمَّةَ ما بلغتَهُ من نجَاحٍ فى مُرَافعتِك هذه كانت مُنتهَى الفشَل. وليتك لم تتبَرَّع بهذا الهُراء الذى أفسدَت به دِفاعك عن الثورة السودانية، ّلأنَّك “طَبَظْتَها” بهذهِ الجُزئِيَّة التى هى جزء من أزْمَةِ الجَلَّابِى الذى ظلَّ يستخدم الجيش القاتِل فى إبادَةِ شُعوبِ الهامش لينعَم أهلُ الأعيسر بحُكمِ السودان وسرِقة موارِده وإبادةِ سُكَّان الهامِش وهم سُكَّان أصليين.
والأعيسر ليس رأسُ الكُفر فى هذهِ الخطِيئةِ فقد سبقهُ إليها آباءه وأجدَاده، وماذا يسَاوِى الأعيسر مُقابِل الإمام الصادق المهدى صاحب مقولة “البشير جِلِدنا ما بنْجُر فوقو الشوك” فى رَدِّه الطوعى على دعوَى إسقاط نظام الإنقاذ بالقوَّةِ العسكرية، كأنَّمَا النظام قد أخذَ منه السُلطة بإنتخابَات حُرَّة ونزِيهة وليس بإنقلاب عسكرى فى يونيو 89 وكان الصادق المهدى يعلَمُ مُسبَقاً أنّ الإنقلابَ واقِع. والدليلُ على تسلِيمه البلاد لهذه العصابة بطوعِه أنّه الآن يُدرِّب أبناءه مُسَاعدِين للبشير ليقوموا فى المستقبلِ بما قامَ به، ويفعلوا ما فعلَ بالشعبِ السودانى.
والأعيسر ليس أكثر جُرْأة من الإمامِ الصادق فى إزْدِرَاء المحاكم عبر تاريخه بدءً من 1965م فلم يكتفْ الإمام بمجرَّدِ نسبِ المحكمة الجنائية الدولية للرجلِ الأبيض المُستعمِر، بل ذهبَ أبعدَ من ذلك: فعندما شرعت المحكمة الجنائية الدولية فى القبضِ على المتَّهم عمر البشير فى جنوب أفريقيا 2015م سَارعَ الصادق المهدى بإصدارِ نِدَاء مُناشدة بوصفِه رئيس وزرَاء سابِق للسودان يلتمِسُ فيه من رئيس جنوب أفريقيا عدم تنفيذ أمرِ القبض على المُتَّهمِ البشير، وأن يَخلَى سبيله، وبقية القصَّة معلومة، وسبَّبَت غُصَّة أخرى تطعنُ فى حُلوقِ ضَحَايَا دارفور.
ولاحِقاً قضت المحكمة الجنائية الدولية بأن “قرار حكومة جنوب أفريقيا بعدم القبض على البشير كان عملاً من أعمالِ عدم الامتثال”. وإن المحكمة حينئذ يمكن أن تحيلَ بريتوريا إلى مجلس الأمن الدولى أو إلى الدول أعضاء المحكمة. وفي كل الأحوال مُنِيت جنوب أفريقيا بانتكاسة دبلوماسية تمثلت فى توبيخِ المحكمة وفرضت عليها غرامة مالية عِقَابَاً، وقضَى على الحياةِ السياسية للرئيس جاكوب زوما. وأمَّا البشير والصادق المهدى فما زالا على سُدَّةِ الحُكمِ يتبادلون الأدوَار ويتقاسَمُون الكَيكة. هم فوق القانون ولم يوبِّخهم أو يغرِّمهم أحد. فكيف لا يحذُو حذوهم الصحفى الأعيسر الذى يرَى فى سُلُوكِ الإمام المهدى وآجِب دينِى وطائفى وتنظيمى يُتَّبع؟ ألم أقُلْ أنَّ إزدِرَاءَ حقُوقِ الهَامِش ثقافة رَاسِخة فى وجدانِ أهلِ المركز السودانى.
والأعيسر يزدَرِى المحكمة الجنائية بحُجَّةِ أنَّها “إستعمارية مُسخَّرة من الرجلِ الأبيض” لكنَّه يسكُنُ ويعيشُ ويتحدثُ من لندن وليس الخرطوم، فما هذا التناقض؟ ليته رَكِّزَ فى عملِه وتجنَّبَ أوْحَالاً لا يقوَى على خوضِها، وننصَحهُ بالآتى:
. المحكمة الجنائية الدولية هى صاحبة الأختصاص فى جرائم دارفور لأنَّ الجرائم التى وقعت ولا تُوجدَ وقت وقوعِها قوانين سودانية تنطبق عليها.
. وثبتَ وقت وقُوعِها أنَّ القضاء والنيابة السودانية محْجُوبة من ممارسةِ اختصَاصِها فى رصدِ الجرائم وفتحِ بلاغات والتحقيق فيها وتحرِيز الأدلة والبيِّنات والقبض على المُتَّهمِين والجُناة.
. وأنَّ قرارَ إعلان حرب الإبادة فى دارفور أعلنه الرئيس البشير داوِياً على الهواءِ مُبَاشرَة من مدينة الفاشر بحضور الرئيس إدريس ديبى: “أنَّه قد أطلقَ يدُ الجيش فى دارفور، وأنَّه لا يريدُ أسِيرَاً ولا جرِيحَاً، أنَّه يريدُ دارفور أرضَاً خالية”.
. هل للأعيسر أن يكشفَ لنا كيف ساندَ أهل دارفور أثناء حربِ الإبادة والتطهير العِرقى الذى شنَّه عليهم هذه الحكومة؟ أم أنَّ ذلك ليس ضِمن إهتِمَامَاتِه؟.
. الذى يتنكَّر لجرائم التطهير والعِرقى والإبادة الجماعية فى دارفور إنَّما يزدَرِى الضحايا، والعالم الحُرُّ ومؤسَّساته، التى من ضِمنِها المحكمة الجنائية الدولية.
. وأمَّا وقد انضمَّ هذا الصحفى لكشفِ الذين تنكَّروا لجرائم دارفور، فهذا فراقٌ بيننا وبينك، ونظلُّ نحنُ ضحايا حرب دارفور الذين ننشدُ الحَقَّ والعدل لدى الجنائية الدولية التى ترَاها أنت أدَاة “مُستعْمِر أبيض” كأنَّك تقيمُ معنا فى دولةٍ سَمْرَا جنوب الصحراء الكبرى، فلماذا كل هذا التناقض؟.
. ثمَّ، لماذا تبدُو دَوْمَاً مُنفَعِلاً نَزِقاً كأنَّك تحْمِلُ أوْزَارَاً من زِينةِ القوم؟ بينما تتنَكَّر ظُلماً لحقُوقٍ عَادِلة لأهل دارفور، ضحَايا رَهْطِك الظالِمين؟.
. وِجدَانك العليل أيها الأعيسر يدفعُنا لفْرِزِ كلّ حقّ مُشَاعِ بينَنَا وبينكم، وعندما تتمَكَّنُوا من إسقاطِ حكومة أهلِكم الكيزان سنرُدُّ عليكم بإختصار بأنَّكم “أنقاذ تُو” ويومها ستتعلم كيف تتكَلَّم فى حقوقِ النَّاسِ بإحترَامٍ وأدَب، وهدُوء.

وتسقط تسقط تسقط بس يا الأعيسر.
. وعلى رِسْلِك، فالغضبُ والصِيَاح يجْعَلُك مثل البشير، تُخْرِجُ أسْوَأ ما عِندَك.
والحمدُ للهِ عِرفنَا البِئرَ وغطَاءه.

abdelazizsam@gmail.com