دفاتر البان آف (9) البان آفريكانيزم في فكر المعلم نيريري كونه الملك والمعلم معاً

دفاتر البان آف (9) البان آفريكانيزم في فكر المعلم نيريري كونه الملك والمعلم معاً
بواسطة: عيسى غلام حسين شيفجي (Issa G. Shivji)
7 مايو/آيار 2009م
ترجمة: أبكر آدم إسماعيل
من خلال إيجازه للخطوط العريضة للاختلافات الجوهرية بين مدخلي جوليوس نيريري وكوامي نكروما، يناقش عيسى شيفجي المواقف التدريجية والراديكالية لدعامتي حركة البان أفريكانيزم. ومؤكدا على أن فكرة الدولة الإفريقية المستقلة باعتبارها “حركة تحرر وطني في السلطة” هي جوهر الحركة، يشدد شيفجي على أن القومية الإفريقية الحقيقية لا يمكن إلا أن تكون بان آفريكانية. ولاحظ شيفيجي أن نيريري، بصفته رئيس دولة ومثقفاً بان أفريكانياً، وجد نفسه يدعم أفكاراً متناقضة حول الاعتراض على فرض الحدود الاستعمارية وفي نفس الوقت التأكيد على الأهمية المركزية لسيادة الدول. وبينما اعترف شيفجي أنه لا يملك إجابة كاملة على سؤال حول دور المثقفين في تطوير فكرة بان آفريكانيزم جديدة اليوم، فإنه يؤكد أن التحدي سيكون في الدفع إلى الأمام بـ”تمرد قومي جديد،” تمردا ربما يعترف بالوحدة الأفريقية في نهاية المطاف بأنها حلم وليس رؤية.
في هذه السنة الأربعين لارتباطي مع جامعة دار السلام، أشعر بالتواضع والتكريم لتعييني في كرسي المعلم جوليوس نيريري لدراسات البان آفريكانيزم. [1] إن التنصيب لكرسي المعلم نيريري في قاعة نكروما ليس صدفة أو مصادفة. إنه عمل تاريخي. كان جوليوس نيريري وكوامي نكروما شخصيتان شاهقتان في البان آفريكانيزم. لقد وصلا إلى البان آفريكانيزم عبر طرق فكرية وسياسية مختلفة. وجد نيريري البان آفريكانيزم من خلال القومية التانجانيقية. بينما وجد نكروما القومية الغانية من خلال البان آفريكانيزم. كان تكوين المعلم الفكري غارق في التأثير التبشيري. عندما وصل إلى إنجلترا دخل في اتصال سياسي مع حزب العمال والمكتب الاستعماري الفابي (فرع من الجمعية الفابية ذات التوجه الاشتراكي = المترجم). كان مدخله لمعاداة الاستعمار معتدلا، ونهجه في التغيير تدريجياً.
ذهب نكروما إلى جامعة لينكولن في الولايات المتحدة. كانت كلية جامعية سوداء. كانت له خبرة مباشرة مع التمييز العنصري، وعاش في هارلم خلال الإجازات الصيفية وكان مرشدوه من عظماء الأفريقيين الأمريكيين المنتمين للبان آفريكانيزم من أمثال ويليام إدوارد بوغارد دو بويز (W. E. B. Bo Bois) وجورج بادمور وسي إل آر جيمس (C. L. R. James). كانت معادلة نكروما ضد الاستعمار قائمة على فهمه للاقتصاد السياسي للإمبريالية. وكان منهجه في الاستقلال راديكاليا. انتهى نكروما بكتابة مقالة رائعة، “الاستعمار الجديد/النيوكولونيالية: آخر مراحل الإمبريالية.” وقد كتب المعلم “إعلان أروشا: الاشتراكية والاعتماد على الذات.” وإذا كان لإعلان أروشا عنوان فرعي بلغة نكروما المُغالية، لكان من الممكن أن يكون: “الاشتراكية والاعتماد على الذات: أعلى مراحل المقاومة الأفريقية” ـ إن استعرنا كلمات سي إل آر جيمس (CLR James). لقد وصف سي إل آر جيمس (CLR James) إعلان أروشا ذات مرة بأنه “أعلى مرحلة من مراحل المقاومة التي تم التوصل إليها من قبل الثوار السود.”
نكروما لم ينجُ. لقد أطاحت به الإمبريالية في انقلاب قامت به «سي آي إيه» بعد عام من نشر مقاله “الاستعمار الجديد.” نجا المعلم، لكن إعلان أروشا لم يفعل. إن الليبرالية الجديدة أفقدت “الاشتراكية والاعتماد على الذات” مصداقيتها ودفنتها في الثورة الريغانية المضادة المعادية للتنمية وتقرير المصير الوطني.
وعلى الرغم من هذه الاختلافات في التكوين الفكري والسياسي للرجلين، إلا أنهما كانا بلا تحفظ من أعظم المنتمين إلى البان آفريكانيزم والمقاتلين من أجل الوحدة الأفريقية. اختلفا في مدخليهما. أراد نكروما الولايات المتحدة الأفريقية “الآن، الآن،” في حين نصح نيريري بالتدريجية. بعد عدة عقود رد المعلم الاعتبار لنكروما في حملته القاصدة من أجل الوحدة الأفريقية. أثناء هذه العملية، اعترف بخلفيتيهما الفكريتين المختلفتين، وحتى اعترف بأن نكروما كانت له حجة. إن ما يقرب من 40 عامًا من “قومية الدولة” جعلت من تحقيق الوحدة الأفريقية أكثر صعوبة في الوقت الذي أصبحت فيه أفريقيا أكثر حاجة إليها من غيرها. في الذكرى الأربعين لاستقلال غانا في مارس/آذار 1997، قال المعلم:
“أفريقيا يجب أن تتحد! كان ذلك عنوان أحد كتب كوامي نكروما. هذه الدعوة أكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى. وسنظل نحن شعوب أفريقيا مجتمعين أقوى دوليا بما لا يقاس مما هو الحال اليوم مع دولنا المتعددة غير القابلة للبقاء. إن احتياجات بلداننا المنفصلة يمكن أن يتجاهلها الأغنياء والأقوياء. والنتيجة هي أن أفريقيا صارت مهمشة عندما يتم اتخاذ القرارات الدولية التي تؤثر على مصالحنا الحيوية. الوحدة لن تجعلنا أغنياء، لكنها يمكن أن تجعل من الصعب تجاهل أفريقيا والشعوب الإفريقية وإهانتها.”
بعد مرور عام، وفي تأملاته مع إيكويبا بانتينج، استذكر المعلم لقاءه مع نكروما وآرائهما المختلفة حول البان آفريكانيزم. لقد وصف المعلم وجهة نظر نكروما بأنها “بان آفريكانيزم دو بويز وماركوس غارفي الهجومية. كان المستعمرون ضدها وكانوا مرعوبين منها.”
“كوامي وأنا التقينا في عام 1963 وناقشنا الوحدة الأفريقية. اختلفنا حول كيفية تحقيق الولايات المتحدة الأفريقية. لكننا اتفقنا على الولايات المتحدة الأفريقية كضرورة. ذهب كوامي إلى جامعة لينكولن، وهي كلية جامعية سوداء في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد نظر إلى الأمور من منظور تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شكلت 13 مستعمرة منتفضة ضد البريطانيين اتحادا. هذا ما كان يعتقد أن منظمة الوحدة الأفريقية يجب أن تفعله.
“حاولت أن أجمع شرق إفريقيا على التوحد قبل الاستقلال. عندما أخفقنا في هذا الأمر، كنت حذرا بشأن نهج كوامي القاري. تناظرنا بغزارة على هذا. وقال كوامي إن فكرتي عن “الأقلمة” لم تكن سوى بلقنة على نطاق أوسع. ويتوجب على المؤرخين الأفارقة دراسة مراسلاتنا حول قضية توحيد إفريقيا.”
في وقت لاحق نحن من المؤرخين الأفارقة الذين يحتاجون إلى دراسة هذا لأن البان آفريكانيزم ليست تاريخية فقط. إنها الحاضر. والقومية الأفريقية هي الوحيدة التي يمكن أن تكون قومية أفريقية حقيقية في ظل العولمة. ومع ذلك، فإنني لا أنوي مناقشة المنظور المقارن لهذين العملاقين في أفريقيا، بالرغم مما في الأمر من روعة. غرضي هو الانخراط بشكل نقدي مع البان آفريكانيزم في فكر المعلم. هذه هي مهمة المثقف.
أقترح عزل خطين في فكر المعلم. يتعلق أحدهما بالأساس المنطقي أو التبرير لوحدة أفريقيا، والآخر بالفاعلية التي من شأنها أن تحققها. نشر المعلم ثلاثة عناصر مترابطة في حجته من أجل الوحدة. ولعدم وجود كلمات أفضل، أجملها في: الهوية (Identity) وعدم القابلية للبقاء (Non-viability) والسيادة (Sovereignity).
الهوية:
هناك تأكيد دائم ومحاججة في خطابات وكتابات المعلم حول أفريقية الشعب الأفريقي. وبخلاف الآخرين، قال المعلم، إن هويتنا أفريقية وليست تنزانية أو غانية أو غابونية. ليس فقط أن إدراكنا لأنفسنا أفريقياً، بل حتى الغرباء لا يتعرفون علينا إلا كأفارقة. وفي خطابه في غانا، لخص هذا الموقف بأسلوبه المعتاد البسيط ولكن الجرافيكي بالقول:
“عندما أسافر خارج أفريقيا، فإن وصفي كرئيس تنزانيا السابق هو شأن عابر. لا يبقى. وبصرف النظر عن الجاهل الذي يسألني أحيانا ما إذا كانت تنزانيا هي جوهانسبرغ، فإنه حتى بالنسبة لأولئك الذين يعرفون بشكل أفضل، فإن ما تمسك به عقول مضيفيَّ هو حقيقة أفريقيتي. لذا كان عليّ أن أجيب على أسئلة عن الفظائع التي ارتكبها أمثال عيدي أمين وبوكاسا في أفريقيا.
“السيدة غاندي لم تكن يوما مضطرة للرد على أسئلة حول الفظائع التي ارتكبتها أمثال ماركوس في آسيا. مثلما لم يكن واجبا على فيدل كاسترو الإجابة عن أسئلة حول فظائع أمثال سوموزا في أمريكا اللاتينية. ولكن عندما أسافر أو ألتقي بأجانب، لا بد لي من الإجابة عن أسئلة حول الصومال وليبيريا ورواندا وبوروندي وزائير، كما اعتدت في السابق أن أجيب على أسئلة حول موزمبيق وأنغولا وزيمبابوي وناميبيا وجنوب أفريقيا.”
على الرغم من أنني استخدمت عبارة “هوية” المابعد الحداثة، فمن الواضح أن محاججة المعلم كانت سياسية أكثر من كونها مابعد حداثية. مشكلة الأفارقة تكمن في تجربتهم المشتركة كأفارقة، وليس في هويتهم المشتركة. وعلى حد تعبيره:
“على مدى قرون، تم اضطهادنا وإذلالنا كأفارقة. لقد تم اصطيادنا واستعبادنا كأفارقة، وقد تم استعمارنا كأفارقة… وبما أننا كنا مهانين كأفارقة، كان علينا أن نتحرر كأفارقة.”
مما لا شك فيه أن المعلم يتحدث عن مصالح مشتركة، لكن فكرته عن “المصلحة” فردية وشخصية ومتضمنة في النظريات السياسية للفردية المستنيرة. على عكس نكروما، فإن توصيف المعلم للمصالح ليس اجتماعيًا أو طبقيا، مرتكزًا على الاقتصاد السياسي. هذا واحد من الاختلافات الهامة وذات المغزى في التشكيل الفلسفي وتوقعات كل من الرجلين، والتي غزَّت تكهناتهما السياسية. إذا كنت سأستخدم لغة الكلاسيكيين الماركسيين، فأنني أقول إن المعلم يفهم السياسة اللينينية بشكل أفضل من الاقتصاد السياسي لماركس. لم تكن سياسة نكروما ذكية على وجه الخصوص، ولكن كان لديه فهم أفضل للاقتصاد السياسي.
كان المعلم مناهضا للاستعمار. ونكروما معاديا للإمبريالية. المعلم سخر من الإمبرياليين. نكروما صدمهم. ورأى المعلم الوحدة الأفريقية كهدف يمكن تحقيقه بخطوات صغيرة. أي عدد من الدول الأفريقية التي توحدت بأي شكل – اقتصادياً أو سياسياً أو إقليمياً أو غير ذلك – كان بمثابة خطوة إلى الأمام بالنسبة للمعلم. بالنسبة لنكروما، كان التحرر الوطني والوحدة الإفريقية وجهان لعملة واحدة، والعملة هي نضال البان آفريكانيزم المناهض للإمبريالية. تصور المعلم مهمة الجيل الأول من القوميين الأفارقة بصفتها من شقين: التحرر الوطني (بمعنى الاستقلال)، والوحدة.
بحلول عام 1994م، عندما أنهت جنوب إفريقيا رسميا الفصل العنصري، كانت المهمة الأولى قد اكتملت. في تقييم المعلم، نجح الجيل الأول من الوطنيين الأفارقة في مهمة التحرير الوطني لكنه فشل في مهمة الوحدة الأفريقية. إلى حد ما، هناك إيحاء بنوع من نهج التدرج هنا – وهو الاستقلال أولاً، ثم الوحدة. ضمن الوحدة، أيضا، هناك فكرة التدرج، الوحدة الإقليمية المؤدية إلى الوحدة القارية.
لكي نكون منصفين، أدرك المعلم صعوبة نظريته المتدرجة. فقد جادل بقوة، على سبيل المثال، بأن اتحاد شرق أفريقيا المقترح ينبغي أن يسبق الاستقلال الفردي للبلدان، وإلا ستصبح الوحدة صعبة. قدم هذه الحجة بقوة وقد أثبت التاريخ صحة موقفه. لكن الأساس والمنطق في حجته حول الوحدة الإقليمية أولاً، قبل الاستقلال، كان مشابهاً لمبدأ نكروما من أجل الاتحاد القاري الفوري. كان موقف نكروما أن الوحدة الإقليمية ستجعل الوحدة القارية أكثر صعوبة. واعتبر “الأقلمة” بمثابة بلقنة على نطاق أوسع.
بعد خمسين عاما، أصبحنا أقل أقلمة وأكثر بلقنة. في تأملاته في عيد ميلاده الخامس والسبعين، عاد المعلم مرة أخرى إلى موضوع بلقنة أفريقيا. وقال إن البلقان أنفسهم قد تمت أفرقتهم لأنه تم استيعابهم في الاتحاد الأوروبي الأكبر، بينما نحن الأفارقة، تتم قبلنتنا! قال المعلم:
“… هذه الدول الأوروبية القوية تتجه نحو الوحدة، وأنتم أيها الناس تتحدثون عن استرجاع الجينات القبيلية، هذا هراء! أقول لكم أيها الناس. كيف يمكن لأي شخص أن يفكر في القبيلة كوحدة للمستقبل، لا!”
أعتقد أن هناك اختلافًا أساسيًا آخر بين المقاربات التدريجية والراديكالية عند كل من نيريري ونكروما، والتي لم يتم تحليلها بشكل كافٍ. سوف ألمح فقط إلى ذلك. أعتقد أن وحدة نكروما نفسها، تمامًا مثل التحرر، كانت كفاحًا ضد الإمبريالية، وليس بعض العمليات الرسمية لتذويب السيادات. فهِم أميلكار كابرال جيداً نضال التحرر الوطني باعتباره كفاحًا مناهضًا للإمبريالية عندما قال: “طالما أن الإمبريالية موجودة، فإن الدولة الأفريقية المستقلة يجب أن تكون حركة تحرر في السلطة، أو لن تكون مستقلة.”
إن فكرة أن تكون الدولة الأفريقية المستقلة “حركة تحرر وطني في السلطة،” كما أقترِحُ، تعطينا الجوهر الإيديولوجي والسياسي للبان آفريكانيزم باعتبارها رؤية ليس فقط للوحدة وإنما للتحرر أيضاً. التحرر الإفريقي لا يكتمل باستقلال الكيانات الفردية التي تسمى الدول. “القومية الإقليمية” ليست قومية أفريقية. لا يمكن للقومية الأفريقية إلا أن تكون بان آفريكانيزم، وإلا فإنها، كما وصفها المعلم، “تعادل القبلية في سياق دولنا الوطنية المنفصلة.” البان آفريكانيزم أعطت ميلادا للقومية، وليس العكس. هذه حجة قوية مضمنة في أفكار المعلم عن الوحدة الأفريقية. هذا يقودني إلى العنصر الثاني في تبريره للوحدة الأفريقية، وهو عدم قابلية الدول الأفريقية للبقاء.
عدم القابلية للبقاء (Non-viability):
قضى المعلم الكثير من الوقت في إظهار اللاعقلانية وعدم قابلية الدول الأفريقية للبقاء. وقد استخدم صيغة التصغير باللغة السواحيلية فينشي لوصفها. بدون أن أنوي الإساءة إلى اللغويين، أود أن أترجم فينشي إلى “دويزيرة” أي دويلة صغيرة معزولة (كما في الجزر الصغيرة المعزولة!). لم تكن تسند هذه الدويلات عقلانية جغرافية أو إثنية. هناك 53 دولة أفريقية مستقلة، وجميعها أعضاء في الأمم المتحدة. و”إذا كانت الأرقام خيولاً،” أجاب المعلم قائلاً: “لكانت أفريقيا في أعلى ارتفاع!” ومع ذلك فإن إفريقيا هي القارة الأضعف.
المجالس العالمية تتخذ القرارات دون اعتبار لمصالح أفريقيا. وكان المعلم يقول لزملائه من قادة الدول، دعونا لا نمجّد الدول القومية الموروثة من الاستعمار. وقد نبه المعلم الجيل الجديد من القادة الأفارقة إلى رفض “العودة إلى القبيلة.” ووصف التصاعد الحالي للأشكال الإثنية والعنصرية وغيرها من أشكال القومية الضيقة (التي نشهدها في جميع أنحاء أفريقيا، بما في ذلك في بلادنا)، على أنها تُحجِّر “أفريقيا في الجراح التي ألحقتها بها نسور الإمبريالية الجارحة.”
تم ترسيم الحدود الاستعمارية بشكل مصطنع من قبل المستعمرين، بواسطة المستعمرين ومن أجل المستعمرين. لا كبير علاقة لهذا الترسيم بتاريخ أو ثقافات أفريقيا. خريطة أفريقيا مليئة بالحدود المستقيمة، مقارنة بالقارات الأخرى. يبدو الأمر كما لو كان أحدهم يجلس بأدوات هندسية لرسمها. وهذا ما حدث، إلى حد ما، عندما اجتمعت القوى الاستعمارية في مؤتمر برلين في عام 1885 لتقطيع غنائمها المكتسبة حديثا. وهم يعلموننا خريطة تنزانيا، أذكر أن معلمي للجغرافيا كان يقول لنا أن نبدأ برسم سداسي مائل في الأسفل ثم تعديله للحصول على الخريطة. سيكون أكبر تعديل بالطبع هو شواطئ المحيط الهندي – الجانب الوحيد من الحدود الذي ما كان يستطيع المستعمرون أن يجعلوا منه مستقيما! والعنصر الثالث المرتبط بالمحاججة حول عدم القابلية للبقاء هو السيادة أو تقرير المصير.
السيادة (Soveriegnity):
قال المعلم إن الدول الإفريقية الصغيرة لا تستطيع، بمفردها، أن تمارس حقها السيادي في اتخاذ قراراتها الخاصة في العالم الذي يسيطر عليه الأقوياء. وشدد، لا سيما في كتاباته المبكرة، على أن أسيادنا الاستعماريين السابقين سيقسموننا على أساس سيادتنا لمواصلة حكمنا. ليس هناك شك في أن المعلم في نظرته السياسية، قد وضع رهاناً عظيما على حق الشعب في اتخاذ قراراته الخاصة. كان هذا هو المعنى الأساسي للاستقلال – الحق في اتخاذ قراراتنا بأنفسنا.
لكن المعلم كان قائدا للدولة، وهو زعيم سياسي. إن موقفه من حق الشعب في اتخاذ قراراته هو الافتراض غير المعلن لسيادة الدولة. يتخذ الناس قراراتهم عبر دولهم. وفي الواقع، فإن الثنائية والتناقض بين سيادة الشعب وسيادة الدولة كانا غير واضحين في فكر المعلم وأكثر من ذلك بكثير في ممارسته السياسية. لن أذهب إلى ممارسته السياسية إلا أن أذكر أن هذا الجانب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخيط الآخر في فكره، وهو مسألة الفاعلية.
الفاعلية (Agency):
بعد أن جادل بقوة من أجل الوحدة الأفريقية، تنشأ أسئلة التاريخ الأساسية: من سيحققها؟ ما هي الفاعلية الاجتماعية التي ستكون الحامل لهذه المهمة التاريخية العظيمة؟ لم يطرح نيريري ولا نكروما هذه الأسئلة بهذا الشكل، على الأقل ليس أثناء وجود كل منهما في السلطة. لكن ضمنا في موقف كل منهما كان من الواضح أن الفاعلية التي ستحقق الوحدة هي الدولة. كان هذا جزئيا اعترافا بالتشكيل التاريخي للدولة في إفريقيا المستعمرة؛ وجزئيا بالواقع السياسي.
كانت الدولة في إفريقيا فرضًا استعماريًا. لم تتطور عضويًا من خلال الصراعات الاجتماعية داخل التكوين الأفريقي. وهكذا عندما رفعنا علم الاستقلال، وغنينا نشيدنا الوطني وأعلنا سيادتنا، كانت سيادة الدولة الموروثة من الاستعمار. بهذا المعنى، لم تكن دولتنا. لقد استولينا على الدولة الاستعمارية. لم يكن هناك طبقة اجتماعية داخلية تتحمل مهمة بناء الدولة والتنمية الاقتصادية. كانت القوة المنظمة الوحيدة المتاحة هي الدولة. وهكذا ترك التراث الاستعماري الجيل الأول من القوميين الأفارقة دون أي خيار. سقطت مهمة التحول على الدولة، تقريبًا بشكل مسبق. هذا هو المكان الذي يوجد فيه التناقض الحقيقي. بالنسبة للدولة التي كان من المفترض أن تقوم بمهمة بناء الأمة، كانت هي نفسها دولة استعمارية، نقيض الدولة القومية.
عندما تعلق الأمر بمهمة بناء الوحدة الأفريقية، كان التناقض أكثر وضوحا. أولاً، الاستقلال يعني تحقيق سيادة الدولة. الاستقلال قبل الوحدة يعني الاعتراف بالحدود الاستعمارية وتعزيزها. ومن المفارقات أن الرجل الذي أدان الحدود الاستعمارية كان هو نفسه الرجل الذي حرك اقتراح قدسية الحدود الاستعمارية في قمة منظمة الوحدة الأفريقية عام 1964 في القاهرة.
ومما زاد من سخرية القدر، أنه كان نفس الرجل الذي اعترف بـ”بيافرا” الانفصالية وقام بغزو أوغندا دون اعتبار للحدود. كان هذا الرجل هو المعلم نيريري. كمثقفين ومؤرخين، قد نقول أن الأمر كان سخرية. لكن المعلم لم يكن مجرد مثقف. كان رئيس دولة. اجتمع فيه الملك والفيلسوف، ولم يكن بإمكانهما دائماً الجلوس مجتمعين بشكل مريح.
لذا، سوى كان الأمر من السخرية أم لا، فإنه لم يتمكن من الإفلات من اتخاذ القرارات السياسية البراغماتية. يستشهد المعلم بمثالين مما جعله يحرك القرار حول الحدود. بعد الاستقلال مباشرة، قام هاستينغز كاموزو باندا من ملاوي بزيارة إلى المعلم وبحوزته بعض الخرائط القديمة. حاول إقناع المعلم أن جزءا من موزامبيق ينتمي إلى ملاوي والجزء الآخر ينتمي إلى تنجانيقا. كان المعلم قد اشمأز بالطبع من هذا الاقتراح بابتلاع موزمبيق، تمامًا هكذا!
وهناك مثال آخر هو أن الصومال ادّعت ملكية إقليم أوغادين في إثيوبيا، في حين أن إثيوبيا كانت تهمس بأن الصومال كلها تنتمي إلى إثيوبيا. لمنع حروب الحدود بين الأفارقة، نقل المعلم قراره بشأن حرمة الحدود الاستعمارية. الإنسان يقترح، والتاريخ يتخلّص. وبالاستفادة من إدراكنا اللاحق، نحن نعلم الآن أن ما خشي منه المعلم حدث بغض النظر عن القرار. حرب أوغادين لا تزال معنا. لا يمكن إعادة صنع التاريخ، ولكن يمكن إعادة قراءته وإعادة تعلّمه.
والعقبة الثانية في طريق الوحدة كانت المصالح الراسخة للطبقة السياسية. الوحدة تعني حل، ولو جزئيا، لسيادة الدول المستقلة حديثا. وهذا يعني حرمان الطبقة السياسية الجديدة، التي كانت قد هبطت مع سلطة الدولة، من سلطتها وامتيازاتها والإمكانيات المرافقة لها للحصول على الثروة. لا عجب أن الحكام الجدد في أفريقيا كانوا متوترين ومقاومين لدعوة نكروما من أجل الوحدة الأفريقية. يلمح المعلم مع بعض المتعة إلى الوضع في قمة أكرا عام 1965 لرؤساء الدول الإفريقية حين أراد نكروما إنشاء حكومة اتحاد. لا أستطيع أن أقاوم النقل عنه مرة أخرى (كان راويا آسرا ولا يمكن لأحد أن يروي قصصا عن رؤساء الدول الأفريقية بنفس فعالية المعلم):
“بمجرد أن تقوم بمضاعفة الأناشيد الوطنية والأعلام الوطنية وجوازات السفر الوطنية ومقاعد الأمم المتحدة والأفراد الذين يستحقون تحية 21 طلقة، ولا تتحدث عن مجموعة الوزراء ورؤساء الوزراء والمبعوثين، سيكون لديك جيش كامل من الأشخاص الأقوياء ذوي المصالح الراسخة في الإبقاء على بلقنة أفريقيا. هذا ما واجهه نكروما في عام 1965.
“بعد الفشل في تأسيس حكومة الاتحاد في قمة أكرا، سمعتُ أحد رؤساء الدول يعبر عن ارتياحه لأنه كان سعيدًا بالعودة إلى بلاده وهو لا يزال رئيسا للدولة. حتى يومنا هذا، لا أستطيع أن أقول ما إذا كان ذلك الرجل جادا أم كان يمزح. لكنه قد يكون جادا، لأن كوامي نكروما كان جادا جدا، وكان خوف عدد منا أن نفقد وضعنا الثمين ملموساً تماماً.”
أعتقد أنه بعد أربعين سنة، أصبحت الدولة أكثر من مجرد موقع للسلطة والامتيازات المتراكمة. لقد أصبحت موقع تراكم الثروة ورأس المال. هذه الطبقة، التي تستخدم المواقع في الدولة للحصول على الثروة وتراكم الممتلكات، ليست طبقة منتجة. إنها لا تُراكم وتستثمر في الإنتاج. إنها “طبقة متوسطة” متخلفة، كما وصفها فرانز فانون عشية الاستقلال.
كما قال، إنها طبقة صغيرة طماعة، شرهة ومتعطشة، ذات عقل ساكن، فقط مسرورة جدا بقبول الفوائد التي تمنحها لها السلطة الاستعمارية السابقة. على أي حال، فإن الطابع الاجتماعي للدولة الأفريقية ودورها في عملية تراكم الرأسمالية في جميع أنحاء العالم هي قضية يجب على أبحاثنا وتحليلاتنا ومناقشاتنا أن تعالجها. بدون فهم قضايا الدولة والطبقة والتراكم، لا يمكننا تحديد وتقييم فاعلية نضال البان آفريكانيزم.
هذه هي المسحات العامة والواسعة للغاية على خطاب البان آفريكانيزم للجيل الأول من القوميين الأفارقة، كما هو موضح في فكر المعلم. ليس لدي أي شك في أن “المؤذيين” بينكم يريدون مني أن أستكشف ليس فقط فكر الملعم، ولكن أيضا ممارسته السياسية كبان آفريكانيست، خاصة فيما يتعلق بمسألة زنجبار. لن ألتزم – ليس لأن الوقت لا يسمح بذلك. من شأن ذلك أن يكون عذرا كسولا فكريا وغير أمين! لن أفعل ذلك لأنني قمت بدراسة بطول كتاب عن مسألة الاتحاد.
تمرد أفكار البان آفريكانيزم:
أعتقد أن البان آفريكانيزم عادت إلى الظهور. أعتقد أن القومية الأفريقية في مفترق طرق. فهي إما أن تتحول إلى قومية شوفينية ضيقة – إثنية أو عرقية أو ثقافية – أو تعتلي مرتفعات البان آفريكانيزم. لا تمجّدوا الدولة القومية، نبه المعلم. ارتفعوا إلى مستوى التحدي المتمثل في أن تكونوا أفارقة أولًا وأفارقة أخيرا، بدلاً من “تحجير أفريقيا في الجراح التي ألحقتها بها نسور الإمبريالية الجارحة.” نحن، كمثقفين، يجب أن نطور خطابًا جديدًا للبان آفريكانيزم.
سيكون بلا شك خطابا مختلفا عن خطاب البان آفريكانيزم للجيل الأول من القوميين. لكن ليس لدي أي شك في أنه سيكون خطاباً للتحرير الوطني ومعاداة الإمبريالية – الأمة هذه المرة هي كونها الأمة الأفريقية. سيتعين على خطاب البان آفريكانيزم الجديد أن يأخذ في الحسبان فشل المشروع الوطني وتأثيره على القومية الأفريقية.
سيكون عليه أن يُسائل قومية الجيل الأول، التي كانت في الأساس “قومية دولة.” وسيتعين عليه إجراء بحوث حول وتحليل الطابع الاجتماعي للدولة الأفريقية وسيتعين عليه استجواب فاعليتها. وسيتعين عليه الدراسة والتدقيق في المشروع النيوليبرالي وأشكاله ومظاهره المختلفة، مثل الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا (نيباد). سيكون عليه أن يدرس ويُعرّي أشكالاً جديدة من الإمبريالية والهيمنة العالمية. سيتعين عليه القيام بأشياء كثيرة ولكن بهدف واحد – تحرير الشعب الأفريقي.
ما هو دور المثقف الأفريقي في تطوير بان آفريكانيزم جديدة؟ ليس لدي إجابة كاملة. آمل أن يبدأ عمل كرسي المعلم نيريري في إعطائنا بعض الإجابات. في غضون ذلك، دعني ببساطة أؤكد أننا بحاجة إلى تمرد قومي جديد – تمرد أفكار البان آفريكانيزم في عصر العولمة. ففي خطابه في حفل تنصيب كينيث كاوندا بصفته مستشارا لجامعة زامبيا في عام 1966، عانى المعلم من “معضلة البان آفريكانيست.” كانت المعضلة التي كان يتحدث عنها هي حالة البان آفريكانيست زعيم الدولة. فمن ناحية، تسحبه قناعته وفلسفته إلى البان آفريكانيزم. ومن ناحية أخرى، كرئيس للدولة، يترأس عملية بناء ورعاية “قومية إقليمية.”
لم يتمكن المعلم من حل المعضلة ولم يدعي أنه فعل ذلك! أياً كان الحال، فقد قال: “البان آفريكانيزم يجب أن لا تكون حلماً؛ إنها يمكن أن تكون رؤية تلهمنا. إذا كانت الوحدة الأفريقية هي مجرد حلم، فهي في اللاوعي. خارجة عن سيطرتنا. وإذا كانت رؤية، فهي في مجال الممكن. علينا أن نرعاها ونكافح بوعي من أجلها.”
يجب علينا نحن، المثقفون الأفارقة، أن نجعل من البان آفريكانيزم جزءاً من الوعي الجماعي لشعوبنا. يقول البروفيسور سليمان بشير دياجني، رئيس اللجنة العلمية في مجلس تنمية بحوث العلوم الاجتماعية في أفريقيا (CODESRIA)، إنه يتعين علينا أن نجعل من البان آفريكانيزم صنفاً من صنوف التفكير الفكري. إن مهمة تحويل رؤية البان آفريكانيزم إلى صنف من التفكير الفكري تقع على عاتق المثقفين الأفارقة.
نفعل ذلك من خلال الانخراط بشكل نقدي مع أفكار البان آفريكانيزم. أفكار كثيرة، أفكار متنوعة. دعونا نشكل منظمات بان آفريكانيزم وحركات بان آفريكانيزم – حركة شباب البان آفريكانيزم، حركة طلاب البان آفريكانيزم، حركة نساء البان آفريكانيزم، ونقابات عمال البان آفريكانيزم وغيرها. هذه المرة، يجب علينا عكس العلاقة. دعونا نعمل من المجتمع المدني إلى الدولة. علينا العمل من أجل بناء مجتمع مدني أفريقي.
من نقطة أفضلية المجتمع المدني الإفريقي، علينا أن نجذب، ونقنع، ونضغط، وننتقد، بل وحتى أن نسخر من الدولة الأفريقية. لا تشيطن الدولة: أنزع منها الشرعية من خلال التعامل معها، وليس فيها. سيكون ذلك بداية لبناء هيمنة البان آفريكانيزم داخل المجتمع المدني الأفريقي. باختصار، دعوا مائة زهرة من أفكار البان آفريكانيزم تُزهر.
يقول ثانديكا مكنداواير إن البان آفريكانيزم الجديدة يجب أن تُربط بالديمقراطية. أفريقيا بحاجة إلى نوع من الديمقراطية الاجتماعية، كما قال آرشي مافيجي، الذي فقدناه في الآونة الأخيرة. في الذكرى الخامسة والسبعين لميلاد المعلم، حاججتُ بأن أفريقيا بحاجة إلى ديمقراطية جديدة مبنية على سبل العيش الشعبية والمشاركة الشعبية والقوة الشعبية. ولكن في هذا العصر وسنوات الهيمنة العسكرية والديمقراطية الاستبدادية، من العراق إلى الصومال، نحتاج إلى مساءلة مفهوم الديمقراطية ذاته.
عندما تكون الأفكار سلعة، تُصنع حسب الطلب من قبل تجار الأفكار، نحتاج إلى العودة إلى أفكار الالتزام والالتزام بأفكار الانعتاق الإنساني. نحن بحاجة إلى مثقفين بان آفريكانيست ملتزمين. السؤال المطروح أمامنا هو: من نحن؟ مثقفو البان آفريكانيزم الملتزمين بالتحرر الإفريقي والانعتاق الإنساني، أم المحتالون النيوليبراليين الذين يخدمون “نسور الإمبريالية الجارحة”؟
في قصيدتها، المثقفون والمحتالون، تغني ميكيري غيتا موغو:
‘أخبرنى
قل لي ما إذا كانت
نظرياتهم هي
البراكين النشطة
تتفجر مع حمم سمادية
لتُزرع عليها
البذور التي من شأنها
أن تُخصّب تهجينيا
في كائن جماعي
أصبحت المعرفة
نظرية العمل
أصبحت المعرفة
شهادة حية
لتاريخ شعبنا الإيجابي
حررت قصتـ/ها
نظرية مفعمة
منقوشة كاحتجاج
مانيفيستو
أعادت لشعبنا حذيته
جنّبت الإنسانية
نعم قل لي هذا
وسأخبرك
ما إذا كانوا
مثقفين
أم محتالين.
ملاحظات
[1] هذه نسخة محررة من المحاضرة التي ألقاها المؤلف أثناء تنصيبه كرئيس لكرسي المعلم نيريري لدراسات البان آفريكانيزم في جامعة دار السلام في 23 أبريل 2008.
* عيسى شيفجي أستاذ دراسات البان آفريكانيزم بكرسي المعلم نيريري بجامعة دار السلام

موت المناضل akhbarelwatane.net مصطفى كيحل الدكتور : مصطفى كيحل