دفاتر البان آف (22) بخصوص العنف (2-6) لـ/ فرانز فانون

دفاتر البان آف (22) بخصوص العنف (2-6) لـ/ فرانز فانون
ترجمة: أبكر آدم إسماعيل
ويجب أيضا أن توضع مشكلة الحقيقة في الاعتبار. ففي كل عصر من العصور، الحقيقة، بين أفراد الشعب، هي ملك للقضية الوطنية. لا يمكن لأي حقيقة مطلقة، ولا خطاب حول صفاء الروح، أن يهز هذا الموقف. المواطن المحلي يرد على الكذبة الحية للوضع الاستعماري بكذبة مماثلة. تعاملاته مع رفاقه الوطنيين مفتوحة: هي متكلفة وغير مفهومة بالنسبة للمستوطنين. الحقيقة هي ما يؤدي إلى تسريع انهيار النظام الاستعماري؛ هي كل ما يشجع على بزوغ الأمة؛ وهي كذلك كل ما يحمي المواطنين ويدمر الأجانب. في هذا السياق الاستعماري ليس هناك سلوك صادق: والخير هو بكل بساطة ما هو شر “بالنسبة لهم.”
وهكذا نرى أن المانوية الأساسية التي تحكم المجتمع الاستعماري محفوظة بشكل سليم خلال فترة تصفية الاستعمار؛ بمعنى أن المستوطن لن يتوقف أبدا عن أن يكون العدو، الخصم، والخصيم المعادي الذي يجب إسقاطه. يقوم المضطهِد، في مجاله الخاص، ببدء العملية، عملية الهيمنة، والاستغلال، والنهب، وفي المجال الآخر، فإن المخلوق الملتوي المنهوب، الذي هو المواطن يقوم بتوفير العلف للعملية قدر استطاعته، العملية التي تتحرك دون انقطاع من ضفاف الأراضي المستعمرات إلى القصور والأرصفة في الدولة الأم.
في هذه المنطقة الساكنة، البحر سطحه أملس، أشجار النخيل تهتز بلطف مع هبوب النسيم، تتدحرج الأمواج على الحصى، ويتم نقل المواد الخام دون توقف، مسوغة لوجود المستوطن: وإبان كل ذلك يوجد المواطن، منحنيا مرتين، أقرب إلى الموت من الحياة، بشكل لا يمكن إنكاره في حلم مستمر. المستوطن يصنع التاريخ؛ حياته عصر تاريخي حقبة، أوديسا. هو البداية المطلقة: “هذه الأرض خلقت بواسطتنا؛” إنه المبرر غير المنقطع: “إذا غادرناها، فقدنا كل شيء، وستعود البلاد إلى العصور الوسطى.” أكثر من ذلك تقف أمامه المخلوقات الخاملة، المهدورة بواسطة الحمى، المهووسة بأعراف وتقاليد الأجداد، التي تشكل خلفية غير عضوية تقريبا للديناميكية المبتكرة للميركانتالية (النزعة التجارية) الاستعمارية.
المستوطن يصنع التاريخ وهو يعي ذلك. ولأنه يشير باستمرار إلى تاريخ بلده الأم، فإنه يشير بوضوح إلى أنه هو نفسه امتداد لذلك البلد الأم. وهكذا، فإن التاريخ الذي يكتبه ليس تاريخ البلد الذي نهبه، وإنما تاريخ أمته الخاصة فيما يتعلق بكل من تقوم هذه الأمة بسلبه وانتهاكه وتجويعه. إن الجمود الذي يُحكم به على المستعمَر لا يمكن مجابهته إلا إذا قرر هذا المستعمَر وضع حد لتاريخ الاستعمار – تاريخ النهب – وجلب تاريخ الأمة إلى الوجود – تاريخ تصفية الاستعمار.
إنه عالم مقسم في داخله، عالم جامد، عالم مانوي، عالم من التماثيل: تمثال الجنرال الذي نفذ الغزو، تمثال المهندس الذي بنى الجسر؛ عالمٌ متأكد من نفسه، عالم يسحق بحجارته الظهور التي تسلخت جلودها من جلد السياط: هذا هو العالم الاستعماري. العالم الذي يتم تطويق المواطن فيه؛ الفصل العنصري هو ببساطة شكل من أشكال التقسيم الداخلي للعالم الاستعماري. أول شيء يتعلمه المواطن هو أن يبقى في مكانه، وأن لا يتجاوز حدودا معينة. هذا هو السبب في أن أحلام المواطن هي دائما في أحلام البراعة العضلية؛ أحلامه هي أحلام فعل وأحلام عدوان/هجوم.
أحلم بأنني أقفز وأسبح وأركض وأتسلق. أحلم أنني انفجرت ضاحكا، وأنا أعبر النهر في خطوة واحدة، أو يتبعني طوفان من السيارات التي لا تلحق بي. خلال فترة الاستعمار، لا يتوقف المواطن عن تحقيق حريته من التاسعة مساءً حتى السادسة صباحًا.
سوف يظهر الإنسان المستعمَر أولاً هذه العدوانية التي ترسبت في عظامه ضد شعبه. هذه هي الفترة التي يضرب فيها الزنوج بعضهم البعض، ولا يعرف البوليس والقضاة أي وجهة سيتجهون عند مواجهة موجات الجريمة المدهشة في شمال أفريقيا. سنرى لاحقا كيف ينبغي الحكم على هذه الظاهرة. (* انظر القسم: “الحرب الاستعمارية والاضطرابات العقلية.”) عندما يواجَه المواطن بواسطة نظام الأشياء الاستعماري، يجد نفسه في حالة توتر دائم. إن عالم المستوطن هو عالم معادٍ، يرفض المواطن الأصلي، ولكنه، في نفس الوقت، العالم الذي يحسده المواطن عليه.
لقد رأينا أن المستعمَر لم يتوقف أبداً عن الحلم في وضع نفسه في مكان المستوطنين ـ ليس أن يكون المستوطن بل أن يضع نفسه في محله. إن هذا العالم العدائي، بغيض وعدواني، لأنه يقاوم الجماهير المستعمَرة بكل ما يملك من قساوة، ولا يمثل مجرد جحيم يصبح الفرار منه مرغوباً بأسرع ما يكون، بل هو أيضا جنة قريبة في متناول اليد محروسة بكلاب حراسة رهيبة. .
إن المستعمَر هو دائما في حالة احتراس، ولأنه يجد صعوبة في فهم رموز العالم الاستعماري العديدة، فهو لا يكون متأكدا أبدا حول ما إذا كان قد تخطى الحدود أم لا. في مواجهة عالم يحكمه المستوطن، يُفترض أن المواطن مذنب في كل الأحوال. لكن ذنب المواطن ليس أبدًا ذنبًا مقبولا بالنسبة له؛ بل هو نوع من اللعنة، وهو نوع من سيف ديموقليس (= كناية عن العيش تحت الخطر المستديم ـ المترجم)، لأن المواطن الأصلي في روحه الداخلية لا يعترف بأي اتهام. هو مغلوب على أمره ولكنه غير مروَض. يُعامل باعتباره أدنى لكنه غير مقتنع بدونيته. إنه ينتظر بصبر حتى يخرج المستوطن من حرسه ليهجم عليه. إن عضلات المستعمَر هي دائمًا في حالة شد. لا يمكنك أن تقول أنه مرعوب، أو حتى متخوف. هو في الواقع جاهز للحظة الإشعار ليستبدل دور الصيدة بدور الصياد.
المواطن هو الشخص المضطهد الذي حلمه الدائم هو أن يصبح المضطهِد. إن رموز النظام الاجتماعي – الشرطة، البوق الذي ينادي في الثكنات، والعروض العسكرية، والأعلام المرفرفة – تكون مثبطة ومحفزة في نفس الوقت: لأنها لا تنقل الرسالة “لا تجرؤ على التزحزح.” بدلا من ذلك، تصرخ “كن مستعدا للهجوم.” وفي الواقع، إذا كان لدى المواطن أي ميل للنوم وللنسيان، فسوف يذكّره استكبار المستوطن وقلق المستوطن لاختبار قوة النظام الاستعماري عند كل منعطف، بأنه لا يمكن تأجيل المواجهة الكبرى إلى أجل غير مسمى. هذا الدافع لأخذ مكان المستوطن ينطوي على توترية العضلات طوال الوقت؛ وفي الواقع، نعلم أن وجود عائق في بعض الظروف العاطفية يزيد من الميول نحو الحركة.
العلاقة بين المستوطنين والمواطنين هي علاقة جماهيرية. المستوطن يضع القوة الغاشمة في مواجهة الكثرة العددية. هو استعراضي. إن انشغاله بالأمن يجعله يذكّر السكان الأصليين بصوت عالٍ بأنه وحده السيد. يحافظ المستوطن على إبقاء الغضب داخل المواطن حيا بحرمانه من المنفذ؛ المواطن محاصر في الحلقات الضيقة لسلاسل الاستعمار. لكننا رأينا أن المستوطن في داخله لا يستطيع تحقيق شيء غير صلابة زائفة. ويجد التوتر العضلي للمواطن منفذاً منتظماً في الانفجارات المتعطشة للدماء – في الحروب القبلية، وفي النزاعات الثأرية العشائرية، وفي المشاجرات بين الأفراد.
وفيما يخص الأفراد، فإن ما ينافي الحس السليم لا يحتاج إلى دليل. ففي حين يكون للمستوطن أو الشرطي الحق طوال اليوم في ضرب المواطن، وإهانته وجعله يزحف إليهم، سترى المواطن يتحسس سكينه في أدنى نظرة عدائية أو عدوانية يلقيها عليه مواطن آخر. الملجأ الأخير للمواطن هو الدفاع عن شخصيته في مواجهة أخيه. إن الثارات القبلية لا تؤدي إلا إلى إستدامة الضغائن القديمة المدفونة في أعماق الذاكرة. من خلال رمي نفسه بكل قوته في الثأر، يحاول المواطن أن يقنع نفسه بأن الاستعمار غير موجود، وأن كل شيء يجري كما كان من قبل، وأن التاريخ لا يزال مستمراً. هنا على مستوى المنظمات الجمعية، نميّز بوضوح الأنماط السلوكية الهروبية المعروفة. كما لو أن الانغماس في حمام دم أخوي سمح لهم بتجاهل العقبة، وتأجيل الاختيار، رغم أنه لا مفر منه، الذي يفتح مسألة المقاومة المسلحة ضد الاستعمار. وبالتالي، فإن التدمير الذاتي الجماعي في شكل ملموس للغاية هو أحد الطرق التي يتم بها تحرير التوتر العضلي للمواطن. كل هذه الأنماط السلوكية هي الانعكاسات الخاصة بالموت عند مواجهة الخطر، وهو سلوك انتحاري يثبت للمستوطن (الذي يعتمد وجوده وسيطرته على مثل هذه السلوكيات أن يجد مبرراً) أن هؤلاء البشر أناس غير عقلانيين. وبنفس الطريقة يستطيع المواطن المحلي الالتفاف على المستوطن. الإيمان بالقدرية يزيل كل اللوم عن المضطهِد. أسباب المصائب والفقر ترجع إلى الله: إنه القدر. وبهذه الطريقة يقبل الفرد التفكك الذي قدّره الله، ثم ينحني أمام المستوطن وقضائه، وبنوع من إعادة الاستقرار الداخلي يكتسب هدوءا كهدوء الحجر.
في هذه الأثناء، تستمر الحياة، وسيعزز المواطن الموانع التي تحتوي عدوانيته من خلال الاعتماد على الأساطير المرعبة التي توجد بكثرة في المجتمعات المتخلفة. هناك أرواح شريرة تتدخل في كل مرة يتم فيها اتخاذ خطوة في الاتجاه الخاطئ، بشر نمور، بشر ثعابين، كلاب ذات ست أرجل، كائنات قامت من الموت (بعاعيت) – سلسلة كاملة من الحيوانات الصغيرة أو العملاقة التي تخلق حول المواطن عالمًا من المحظورات والموانع أكثر ترويعا بكثير من عالم المستوطنين. هذه البنية الفوقية السحرية التي تتخلل المجتمع المحلي تفي ببعض الوظائف المحددة جيداً في ديناميكية الغريزة الجنسية. إحدى خصائص المجتمعات المتخلفة هي في الواقع أن الرغبة الجنسية هي الهم الأول وقبل كل شيء بالنسبة للمجموعة أو العائلة. إن ميزة المجتمعات التي يُحاكم فيها رجل يحلم بأن له علاقات جنسية مع امرأة أخرى غير امرأته، أن يعترف علنا ويدفع غرامة عينية أو أيام عمل إلى الزوج أو العائلة المتضررة قد وُصفت بشكل كامل من قبل علماء الإثنولوجيا. قد نلاحظ ونحن نمر بمثل هذا، أنه يثبت أن ما يسمى مجتمعات ما قبل التاريخ تُعلّق أهمية كبيرة على اللاوعي.
إن الجو الأسطوري والسحري يخيفني ويصبح واقعا لا شك فيه. من خلال ترويعي فإنه يدمجني في تقاليد وتاريخ مقاطعتي أو قبيلتي، وهو في نفس الوقت يمنحني الطمأنينة، ويعطيني وضعًا، ويكون كورقة هوية بالنسبة لي. في البلدان النامية، المجال الغامض هو مجال يخص المجتمع الذي يخضع بالكامل للأحكام السحرية. من خلال التشابك في هذه الشبكة التي لا يمكن الخروج منها حيث تتكرر الأعمال بحتمية جامدة، يجد المرء العالم الأزلي الذي ينتمي إليه، والاستمرارية التي يتم التأكيد عليها بالتالي للعالم الذي ينتمي إليه الجميع. صدقوني، الزومبي/البعاعيت/الأشباح هم أكثر إرعاباً من المستوطنين. ونتيجة لذلك، لم تعد المشكلة هي الحفاظ على النفس مع العالم الاستعماري وأسلاكه الشائكة، وإنما هي في النظر ثلاث مرات قبل التبول أو البصق أو الخروج ليلا.
إن القوى السحرية الخارقة للطبيعة تكشف عن نفسها كقوى شخصية بشكل أساسي. أما قوى المستوطنين فتتقلص بشكل لا نهائي، مختومة بأصلها الغريب. لم نعد حقا بحاجة للقتال ضدها لأن ما يهم هو العدو المرعب الذي تخلقه الأساطير. ونتصور أن كل شيء يمكن أن تتم تسويته بمواجهة دائمة على مستوى الأوهام والخيالات.
لقد كان يحدث دائماً في النضال من أجل الحرية أن مثل هذا الشعب، الذي كان ضائعًا في متاهة خيالية، وفريسة لأشكال من الرعب لا توصف، ومع ذلك يسعده أن يضحي بنفسه في عذاب شبيه بالحلم، يصبح غير مبالٍ بالأخطار، ويعيد تنظيم نفسه، ويولّد في وسط الدم والدموع فعلًا حقيقيا جدا ومباشرا. إطعام المجاهدين (* الجنود المدربين تدريباً عالياً والملتزمين تماماً بالقضية الإسلامية. – المترجم الإنجليزي) يرسلون حراس المراقبة، يساعدون العوائل التي تفتقر إلى الضروريات، أو يقومون بمسئولية الزوج الذي قُتل أو سجن: هذه هي المهام الملموسة التي يُدعى إليها الشعب أثناء النضال من أجل الحرية.
في العالم الاستعماري، تكون الحساسية العاطفية للمواطن محفوظة على سطح جلده مثل القرحة المفتوحة التي تجفل من مادة كاوية؛ وتتقلص الروح، وتطمس نفسها وتجد مخرجًا في المظاهر العضلية الأمر الذي جعل بعض الحكماء يقولون إن المستعمَر هو كائن هستيري. هذه العاطفة الحساسة، التي يراقبها الحراس غير المرئيين الذين هم على اتصال دائم مع جوهر الشخصية، ستجد تحقيقها من خلال الإثارة الجنسية للقوى الدافعة وراء حل الأزمة.
على مستوى آخر، نرى الحساسية الانفعالية للمواطن تستنفد نفسها في الرقصات المثيرة للنشوة. هذا هو السبب في أن أي دراسة للعالم الاستعماري يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الرقص وحالات المس. على وجه التحديد تأخذ عملية الاسترخاء عند السكان الأصليين عربدة عضلية يتم فيها تطويع أكثر أنواع العدوان حدة وأشدها عنفا، وتحويلها وطردها بعيدا. إن دائرة الرقص هي دائرة إباحية: فهي تحمي وتبيح.
في أوقات معينة في أيام معينة، يجتمع الرجال والنساء معاً في مكان معين، وهناك، أمام أعين القبيلة، يلقون بأنفسهم في صورة تمثيلية تبدو غير منظمة، والتي هي في الواقع منظمة للغاية، والتي يتم فيها بوسائل مختلفة – هز الرؤوس، وثني الأعمدة الفقرية، ورمي الجسم كله إلى الخلف، يمكن فك شفرة ذلك كأنه كتاب مفتوح عن الجهد الكبير الذي يبذله المجتمع لتخليص نفسه، لتحرير نفسه، لتوضيح نفسه. لا توجد حدود – داخل الدائرة. والتلال التي يتعبون في اعتلائها كأنهم يريدون الاقتراب من القمر؛ ضفة النهر التي ينزلقون إليها ليُظهروا العلاقة بين الرقص والغُسل، التطهُّر والتنقية – هذه أماكن مقدسة. لا توجد حدود – لأن الهدف من التجمع هو في الواقع لاطلاق سراح الرغبة الجنسية المتراكمة، العدوانية المكبوحة، والذوبان كما الثوران البركاني. عمليات القتل الرمزية، الإمتطاءات الرائعة، الإبادة الجماعية المتخيلة – كل ذلك يجب إخراجه. النكات الشريرة غير ممنوعة، وتتدفق مع الضجيج مثل الحمم المنصهرة.
خطوة واحدة ويكون المرء ممسوسا تماما. في الواقع، هذه جلسات لتحضير الأرواح، للمس والتعاويذ؛ وتشمل مص الدماء، والمس بواسطة الجن، بواسطة الأشباح، وبواسطة ليقبا (Legba)، إله الفودو الشهير.
هذا التفكك للشخصية، هذا الانحلال، كل هذا يؤدي وظيفة أساسية في الكائن الحي الموجود في العالم الاستعماري. عندما بدأوا، كان الرجال والنساء شغوفين، يضعون أقدامهم في حالة من الإثارة العصبية؛ عندما يعودون، تتم استعادة السلام إلى القرية؛ ويعود إليها الهدوء مرة أخرى.
خلال النضال من أجل الحرية، لوحظ وجود اغتراب ملحوظ عن هذه الممارسات. إن المواطن حين يوقف وظهره على الجدار، والسكين على عنقه (أو بشكل أدق، القطب الكهربائي على أعضائه التناسلية): لن يكون لديه المزيد لاستدعاء للخيالات. بعد قرون من اللاواقعية، وبعد أن انغمس في الأشباح الأكثر غرابة، أخيراً يقف المواطن، والسلاح في يده، وجهاً لوجه مع القوى الوحيدة التي تكافح ضد وجوده – قوى الاستعمار. وشباب البلد المستعمر، الذي نشأ في جو من الحديد والنار، يمكن أن يسخر، وأن لا يتردد في صب الازدراء على أشباح أسلافه، والخيول ذات الرأسين، والأموات الذين يقومون من الموت، والجن الذين يسارعون للدخول في جسمك أثناء التثاؤب. يكتشف المواطن الأصلي الواقع ويحوله إلى نمط عاداته، إلى ممارسة العنف وإلى خطته من أجل الحرية.
لقد رأينا هذا العنف نفسه، على الرغم من إبقائه على السطح طوال الفترة الاستعمارية، يتحول إلى فراغ. لقد رأينا أيضًا أنه تم تصريفه من خلال المخارج الانفعالية للرقص ومس العفاريت؛ رأينا كيف يتم استنفاذه في المعارك بين الأشقاء. المشكلة الآن هي في السيطرة على هذا العنف الذي يغير اتجاهه. عندما تم استرضائه سابقًا بالخرافات ومارس مواهبه في العثور على طرق جديدة لارتكاب الانتحار الجماعي، فإن الظروف الجديدة الآن ستجعل من الممكن اتباع خط جديد تمامًا للفعل.
ونواصل…