دفاتر البان آف (18) -مزالق الوعي القومي (الجزء الثاني) لـ/ فرانز فانون

دفاتر البان آف (18)مزالق الوعي القومي (الجزء الثاني) لـ/ فرانز فانون

ترجمة: أبكر آدم إسماعيل
لقد أعدت البرجوازية الغربية ما يكفي من الأسوار والدرابزين لكي لا يكون لديها خوف حقيقي من منافسة أولئك الذين تستغلهم وتعاملهم باحتقار. إن التمييز العنصري البرجوازي الغربي فيما يتعلق بالزنوج والعرب هو عنصرية للاحتقار؛ إنها عنصرية تقلل من شأن من تكرهه. بيد أن الأيديولوجية البرجوازية، التي هي إعلان المساواة الجوهرية بين الناس، استطاعت أن تبدو منطقية في أعينها من خلال دعوة الأفراد إلى أن يصبحوا إنسانيين، وأن يأخذوا الشكل الأولي لإنسانيتهم من الإنسانية الغربية كما تتجسد في البورجوازية الغربية.
إن التحامل العنصري للبرجوازية الوطنية الشابة هي عنصرية دفاعية تقوم على الخوف. أساسا هي لا تختلف عن القبلية المبتذلة، أو الخصومات بين الممل الدينية أو الفرق الصوفية. قد نفهم السبب في أن المراقبين الدوليين أصحاب الفطنة لم يأخذوا الخطابة العالية حول الوحدة الأفريقية مأخذ الجد، لأنه صحيح أن هناك الكثير من التشققات في تلك الوحدة مرئية للعين المجردة بحيث يصبح الشيء الوحيد المعقول هو الإصرار على أن تُحل كل هذه التناقضات قبل أن يأتي يوم الوحدة.
لم تعرف شعوب أفريقيا نفسها إلا مؤخرا. لقد قررت أن تُثقل بقوة على النظام الاستعماري باسم القارة بأكملها. الآن، البرجوازية الوطنية، التي تسرع في منطقة بعد منطقة لتكوين ثرواتها الخاصة وإنشاء نظام وطني للاستغلال، تبذل قصارى جهدها لوضع العقبات في طريق هذه “اليوتوبيا.” لقد قررت البرجوازيات الوطنية، الواضحة تماما فيما يتعلق بأهدافها، أن تغلق الطريق إلى تلك الوحدة، إلى ذلك الجهد المنسق من جانب مائتين وخمسين مليون إنسان للانتصار على الغباء والجوع واللاإنسانية في وقت واحد وفي نفس الوقت. هذا هو السبب في أننا يجب أن نفهم أن الوحدة الأفريقية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الاتجاه التصاعدي للشعب، وتحت قيادة الشعب، أي في تحدي مصالح البرجوازية.
فيما يتعلق بالشؤون الداخلية وفي نطاق المؤسسات، فإن البرجوازية الوطنية ستعطي دليلاً بنفس القدر على عدم أهليتها. في عدد معين من البلدان المتخلفة تم تزييف اللعبة البرلمانية منذ البداية. إن البرجوازية، التي تفتقر إلى القوة الاقتصادية وغير القادرة على تحقيق وجود علاقات اجتماعية متماسكة، وتقف على مبدأ سيطرتها كطبقة، تختار الحل الذي يبدو أنه الأسهل، وهو حل الحزب الواحد. ليس لديها حتى الآن الضمير المطمئن والهدوء الذي يمكن أن توفره القوة الاقتصادية والسيطرة على آلة الدولة وحدها. إنها لا تخلق دولة تطمئن المواطن العادي، على العكس فهي تثير قلقه. إن الدولة، توجب عليها قوتها ورشدها أن تلهم بالثقة وتنزع السلاح وتهدهد الجميع للنوم، على العكس من ذلك، تسعى إلى فرض نفسها بطريقة مذهلة. تقوم بالاستعراض، تصارع الناس وتقوم بتخويفهم، مما يوحي للمواطن بأنه في خطر مستمر. الحزب الواحد هو الشكل الحديث لدكتاتورية البرجوازية، الشكل غير المقنع، غير غير الملون، عديم الضمير، والمثير للسخرية.
صحيح أن مثل هذه الديكتاتورية لا تذهب بعيداً. لا يمكنها وقف عمل التناقضات الخاصة بها. وذلك لأن البرجوازية لا تملك الوسائل الاقتصادية لضمان هيمنتها ورمي بعض الفتات لبقية البلاد؛ علاوة على ذلك، لأنها مشغولة بملء جيوبها في أسرع وقت ممكن، ولكن أيضا بقدر ما هو ممكن، فإن البلاد تغوص بشكل أكبر وأعمق في الركود. ولإخفاء هذا الركود وللمحافظة على نفسها في ظل هذا الانحدار، ولطمأنة نفسها ولإعطاء نفسها ما تفتخر به، لا يمكن للبرجوازية أن تجد شيئًا أفضل من القيام بتشييد المباني الفخمة في العاصمة وصرف الأموال على ما يسمى بنفقات الهيبة.
إن البرجوازية الوطنية تدير ظهرها أكثر فأكثر عن الداخل والوقائع الحقيقية لبلدها غير المتطورة، وتميل إلى تحويل بصرها نحو الدولة الاستعمارية السابقة ونحو الرأسماليين الأجانب الذين يعتمدون على خضوعها. وبما أنها لا تشارك الناس في أرباحها، ولا تسمح لهم بأي حال من الأحوال بالاستفادة من أي من المستحقات المدفوعة لها من قبل الشركات الكبرى الأجنبية، فإنها ستكتشف الحاجة إلى زعيم شعبي تُلقي عليه الدور المزدوج من أجل استقرار النظام وتكريس هيمنة البرجوازية. تستمد الديكتاتورية البرجوازية في البلدان المتخلفة قوتها من وجود زعيم. نحن نعلم أن الديكتاتورية البرجوازية في البلدان المتطورة هي نتيجة القوة الاقتصادية للبرجوازية.
في البلدان المتخلفة، على العكس من ذلك، يقف الزعيم ليمثل السلطة الأخلاقية، التي تقرر البرجوازية الرقيقة والتي يضربها الفقر والبؤس أن تغتني تحت ظلها. لقد رأى الناس الذين ظلوا طوال السنين ينظرون إلى هذا الزعيم وسمعوه يتكلم، ومن على البعد، في نوع من الحلم، وتابعوا مواجهاته مع السلطة الاستعمارية، فوضعوا ثقتهم تلقائياً في هذا الزعيم الوطني. قبل الاستقلال، يجسد الزعيم عمومًا تطلعات الشعب من أجل الاستقلال والحرية السياسية والكرامة الوطنية. ولكن بمجرد إعلان الاستقلال، بعيدًا عن ما كان يجسده الزعيم من حاجات الناس في ما يتعلق بما هو ملموس، الخبز والأرض، واستعادة البلاد المقدسة لأيادي الشعب، فإنه سيكشف عن وظيفته الحقيقية: أن يصبح الرئيس العام لتلك الشركة الخاصة بالمنتفعين المتسرعين لجني العوائد الذين يشكلون البورجوازية الوطنية.
على الرغم من تصرفاته الشريفة في كثير من الأحيان وتصريحاته المخلصة، فإن الزعيم إذا تم النظر إليه بشكل موضوعي هو في الواقع المدافع الشرس عن تلك المصالح، التي أصبحت اليوم مجتمعة، مصالح البرجوازية الوطنية والشركات الاستعمارية السابقة. إن صدقه، الذي هو خير روحه الحقيقي، ينهار شيئًا فشيئًا. إن اتصاله بالجماهير غير حقيقي لدرجة أنه يعتقد أن سلطته مكروهة وأن الخدمات التي قدمها لبلده أصبحت موضع شك. فيحكم القائد على الجماهير بقسوة بالجحود، ومع مرور كل يوم ينحاز أكثر وبشكل تدريجي إلى جانب المستغلِين. ومن ثم، فإنه يصبح، عن علم، مساعدا للبرجوازية الناهضة التي تتدهور في مستنقع الفساد والملذات.
تغرق القنوات الاقتصادية للدولة الشابة حتما في خطوط استعمارية جديدة. الاقتصاد الوطني، الذي كان محميًا في السابق، أصبح اليوم خاضعًا، بنص العبارة، للسيطرة. الميزانية تتوازن من خلال القروض والهدايا، في حين أن كل ثلاثة أو أربعة أشهر يأتي رؤساء الوزراء أنفسهم أو وفودهم الحكومية إلى البلدان الاستعمارية السابقة أو في أي مكان آخر، بحثا عن رأس المال.
إن القوة الاستعمارية السابقة تزيد من مطالبها، وتُراكم التنازلات والضمانات، وتحتاج إلى آلام أقل وأقل لإخفاء قبضتها على الحكومة الوطنية. يركد الناس في الفقر في ظروف لا تحتمل؛ ببطء يستيقظون على خيانة قادتهم غير المعلنة. هذه الصحوة تكون أكثر حدة لأن البرجوازية عاجزة عن تعلم الدرس. لا ينتشر توزيع الثروة المؤثرة بين عدد كبير من القطاعات؛ لا يتراوح بين مستويات مختلفة، ولا يضع في التراتب الهرمي نصف نغمة، فإما الغنى الفاحش أو الفقر المدقع. إن الطبقة الاجتماعية الجديدة هي الإهانة الأكثر إثارة للاشمئزاز حيث أن الغالبية العظمى، التي تشكل تسعة أعشار السكان، ما زالت تموت من الجوع.
يُصاحب هذا الإثراء الفاضح والسريع وغير المبرر لهذه الطبقة بصحوة حاسمة من جانب الشعب، ووعي متزايد ينذر بأيام عاصفة قادمة. إن الطبقة البرجوازية، ذلك الجزء من الأمة الذي يُلحِق كل ثروة البلاد من أجل ربحه الخاص، من خلال نوع من المنطق غير المتوقع، سوف يصدر أحكامًا مزعجة، على الزنوج الآخرين والعرب الآخرين، تلك الأحكام غالباً ما تذكرنا بالمذاهب العنصرية للممثلين السابقين للسلطة الاستعمارية. في الوقت نفسه، فإن فقر الشعب، وجلب المال بطريقة جشعة بواسطة الطبقة البرجوازية، والازدراء الواسع الانتشار لبقية الأمة، سيقوي الفكر والعمل.
لكن مثل هذه التهديدات ستؤدي إلى إعادة تأكيد السلطة وظهور الديكتاتورية. فالزعيم، الذي يقف وراءه عملاً سياسياً وعمرياً وإخلاصا وطنيا، يشكل حاجزا بين الناس والبورجوازية الجشعة لأنه يقف كضمانة على مشاريع هذه الطبقة ويغض الطرف عن وقاحتها ورداءتها ولا أخلاقيتها الأساسية.
إنه يعمل كقوة كابحة لصحوة وعي الناس. يأتي إلى مساعدة الطبقة البرجوازية ويخفي مناوراته عن الناس، وبذلك يصبح أكثر العاملين شغفا في مهمة تحييد الجماهير وإرباكها. في كل مرة يتكلم فيها مع الناس فإنه يذكرهم بحياته البطولية، النضالات التي قادها باسم الشعب والانتصارات التي حققها باسمهم، مما يوحي بوضوح للجماهير بأنهم يجب أن يستمروا في وضع ثقتهم فيه.
هناك الكثير من الأمثلة على الوطنيين الأفارقة الذين أدخلوا على حذر الحركة السياسية الذي كان يتبعه سابقوهم أسلوبًا قوميا مصادما. جاء هؤلاء الرجال من الريف البعيد وأعلنوا أنهم جاءوا من الريف البعيد ليتحدثوا باسم الزنوج، مثيرين دهشة السلطة المهيمنة وخجل سكان العاصمة من الوطنيين. هؤلاء الرجال، الذين تغنوا بأمجاد عرقهم، الذين أخذوا على عاتقهم عبء الماضي بكل ما فيه من أكل لحوم البشر والانحطاط، وجدوا أنفسهم اليوم، للأسف، على رأس فريق من الإداريين الذي يدير ظهره للريف والذي يعلن أن مهنة الشعب هي الطاعة، وأن يستمر في الطاعة حتى نهاية الزمان.
القائد يهدئ الناس. لسنوات عديدة بعد نيل الاستقلال، رأيناه غير قادر على حث الناس على القيام بمهمة ملموسة، غير قادر على فتح المستقبل لهم أو لدفعهم إلى مسار إعادة البناء الوطني، وهذا يعني، إعادة البناء الخاصة بهم؛ نراه يعيد تقييم تاريخ الاستقلال ويستدعي الوحدة المقدسة للنضال من أجل التحرر. ولأنه يرفض تفكيك البرجوازية الوطنية، فإن القائد يطلب من الناس أن يتراجعوا إلى الماضي وأن يصبحوا سكارى بذكرى الحقبة التي أدت إلى الاستقلال. القائد، برؤية موضوعية، يجبر الناس على التوقف ويستمر في طردهم من التاريخ أو منعهم من التجذر فيه. خلال النضال من أجل التحرر، أيقظ القائد الشعب ووعده بمسيرة إلى الأمام، مسيرة بطولية وغير مكتملة. واليوم، يستخدم كل وسيلة ليجعلهم ينامون، ويطلب منهم في ثلاث أو أربع مرات في السنة أن يتذكروا الفترة الاستعمارية وأن ينظروا إلى الوراء على الطريق الطويل الذي قطعوه منذ ذلك الحين.
الآن يجب القول أن الجماهير تظهر نفسها عاجزة تماما عن تقدير طول الطريق الذي قطعته. الفلاح الذي يستمر في استخلاص معيشته من التربة، والعاطل عن العمل الذي لا يجد وظيفة أبدا لا يستطيعون اقناع أنفسهم بأن شيئا قد تغير بالفعل في حياتهم، على الرغم من الأعياد العامة والأعلام الجديدة ذات الألوان المشرقة. البرجوازيون الذين هم في السلطة يزيدون من عدد المواكب العبثية. الجماهير ليس لديها أوهام. إنها جائعة؛ وضباط الشرطة، رغم أنهم الآن أفارقة، لا يعملون على طمأنة الجماهير بشكل حاسم. تبدأ هذه الجماهير في النكد. تبتعد عن هذه الأمة التي لم تحصل فيها على أي مكان وتبدأ في فقدان الاهتمام بها.
من وقت لآخر، ومع ذلك، فإن الزعيم يبذل جهدا؛ يتحدث في الراديو أو يقوم بجولة في البلاد لتهدئة الناس، ليهدئتهم ويضللهم. الزعيم أكثر من ضروري لأنه لا يوجد حزب. خلال فترة النضال من أجل الاستقلال كان هناك شيء واحد كافٍ، وهو حزب بقيادة الزعيم الحالي. لكن منذ ذلك الحين تفكك هذا الحزب للأسف. لم يبق شيء سوى قوقعة الحزب، الاسم والشعار والرمز. الحزب الحي، الذي يجب أن يجعل من الممكن التبادل الحر للأفكار التي تم وضعها وفقا للاحتياجات الحقيقية لجماعة الشعب، قد تحول ليصبح نقابة للمصالح الفردية.
منذ إعلان الاستقلال، لم يعد الحزب يساعد الشعب على تحديد مطالبه، ليصبح أكثر وعياً باحتياجاته وأكثر قدرة على تأسيس سلطته. اليوم، مهمة الحزب هي أن يقوم بإيصال التعليمات التي تصدر من القمة إلى الشعب. الأخذ والعطاء المثمر من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل مما يخلق الديمقراطية ويضمنها في الحزب لم يعد موجودا. بل على العكس تماماً، فقد جعل الحزب من نفسه حاجزا بين الجماهير والقادة. لم تعد هناك حياة حزبية، حيث تم اليوم تسريح الفروع التي أُنشئت خلال الفترة الاستعمارية بالكامل.
والأبطال المتشددون ينتظرون على أحر من الجمر. الآن يُنظر إلى الموقف الذي اتخذه من قبل بعض المتشددين خلال النضال من أجل تحرير بأن له ما يبرره، لأن الحقيقة هي أنه في خضم المعركة طلب كثيرون من المتشددين من الزعماء صياغة عقيدة، وتوضيح الأهداف، ووضع برنامج. لكن بحجة حماية الوحدة الوطنية، رفض الزعماء رفضا قاطعا محاولة القيام بمثل هذه المهمة. كانت العقيدة الوحيدة الجديرة بالاهتمام، كما قيل مرارا وتكرارا، هي اتحاد الأمة ضد الاستعمار. ومضوا إلى الأمام على هذا الأساس، مسلحين بشعار متهور كبديل للمبادئ، في حين أن النشاط الأيديولوجي الوحيد كان في شكل سلسلة من الأوجه المتعددة لموضوع حق الشعوب في تقرير المصير، محمولا في رياح التاريخ التي ستكتسح الاستعمار بعيدا بشكل حتمي. عندما سأل المتشددون عما إذا بالإمكان تحليل رياح التاريخ بشكل أكثر وضوحا، أعطاهم الزعماء بدلا من ذلك الأمل والثقة، وضرورة تصفية الاستعمار وحتميتها، وأشياء من هذا القبيل.
بعد الاستقلال، يغرق الحزب في حالة الخمول غير العادي. يتم استدعاء المتشددين فقط عندما يكون هناك ما يسمى بالمظاهر الشعبية، أو المؤتمرات الدولية، أو احتفالات الاستقلال. يتم إعطاء قادة الحزب المحليين مناصب إدارية، ويصبح الحزب إدارة، ويختفي المتشددون في الحشد ويأخذون لقب مواطن ـ الذي لا معنى له. والآن بعد أن أوفوا بمهمتهم التاريخية المتمثلة في قيادة البرجوازية إلى السلطة، فإنهم مدعوون بشدة إلى التقاعد حتى تتمكن البرجوازية من القيام بمهمتها في سلام وهدوء. لكننا رأينا أن البرجوازية الوطنية في البلدان المتخلفة غير قادرة على القيام بأية مهمة مهما كانت.
بعد بضع سنوات، يصبح تفكك الحزب واضحا، ويمكن لأي مراقب، حتى الأكثر سطحية، أن يلاحظ أن الحزب، الذي أصبح اليوم الهيكل العظمي لذاته السابقة، لا يعمل إلا على شل الشعب. الحزب، الذي كان قد استقطب الامة كلها خلال المعركة، ينهار. والمثقفون الذين احتشدوا للحزب في عشية الاستقلال، أوضحوا الآن من خلال موقفهم بأنهم قدموا دعمهم من دون أي هدف آخر سوى تأمين نصيبهم من كعكة الاستقلال. أصبح الحزب وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.
ومع ذلك، هنالك عدم مساواة في الحصول على الثروة والاحتكار داخل النظام الجديد. البعض لديهم مصدر دخل مزدوج ويُظهرون أنهم متخصصون في الانتهازية. تتضاعف الامتيازات وينتصر الفساد، بينما تنخفض الأخلاق. اليوم، النسور الجارحة كثيرة جدا وشرهة جدا بما يتناسب مع الغنائم النحيلة للثروة الوطنية. فالحزب، وهو أداة حقيقية للقوة، في يد البرجوازية، يعزز جهاز الدولة، ويضمن أن يتم تحجيم الشعب وتثبيته. يساعد الحزب الحكومة على احتواء الناس. يصبح معاديا للديمقراطية أكثر فأكثر، وأداة للإكراه.
الحزب بشكل موضوعي، في بعض الأحيان بشكل ذاتي، متواطئ مع البرجوازية التجارية. وبنفس الطريقة التي تقوم فيها البرجوازية الوطنية باستحضار طور بنائها من أجل الإلقاء بنفسها في التمتع بثروتها، فإنها، بطريقة متوازية في المجال المؤسسي، تقفز فوق المرحلة البرلمانية وتختار ديكتاتورية من النمط القومي-الاشتراكي.
نحن نعلم اليوم أن هذه الفاشية التي تحظى باهتمام كبير والتي انتصرت على مدى نصف قرن في أمريكا اللاتينية هي النتيجة الجدلية للدول التي كانت شبه استعمارية خلال فترة الاستقلال.
في هذه البلدان الفقيرة والمتخلفة، حيث القاعدة هي أن أكبر ثروة يحيط بها الفقر الأكبر، يشكل الجيش والشرطة أركان النظام. جيش وقوة شرطة (قاعدة أخرى لا يجب نسيانها) تتلقى النصح من خبراء أجانب. إن قوة قوات الشرطة وقوة الجيش تتناسب مع الركود الذي تغرق فيه بقية الأمة. من خلال القروض السنوية، يتم خطف الامتيازات من قبل الأجانب. إن الفضائح عديدة، والوزراء يصبحون أكثر غنى، وزوجاتهم يجعلن أنفسهن دمى، وأعضاء البرلمان يملأون أعشاشهم بالريش ونزولا إلى الشرطي البسيط أو ضابط الجمارك ليس هناك روح لا تنضم إلى موكب الفساد الكبير.
وتصبح المعارضة أكثر عدوانية ويلجأ الناس في الحال إلى الدعاية. من الآن فصاعدا، تصبح عدائيتهم للبرجوازية واضحة للعيان. إن هذه البرجوازية الشابة التي يبدو أنها تعاني من الشيخوخة المبكرة لا تلتفت إلى النصيحة الملقاة عليها، وتكشف عن عجزها عن إدراك أنه سيكون من مصلحتها أن تضع حجابا، حتى لو كان أكثر رقة، على استغلالها. تتناول ذا آفريكان ويكلي، أوسع الصحف المسيحية انتشارا في برازافيل، أمراء النظام هكذا:
أنتم في مواقع جيدة، أنتم وزوجاتكم، اليوم تستمتعون بالعديد من وسائل الراحة؛ ربما تعليم جيد، بيت جيد، اتصالات جيدة، والعديد من المهمات التي تُبعثون فيها والتي تفتح لكم آفاقا جديدة. لكن كل ثروتكم تشكل قشرة صلبة تمنعكم من رؤية الفقر الذي يحيط بكم. احترسوا.
هذا التحذير الصادر عن صحيفة ذا آفريكان ويكلي وموجه إلى أتباع موسيو يولو (Monsieur Youlou)، نستطيع أن ندرك، أن لا شيء ثوري فيه. ما تريده صحيفة ذا آفريكان ويكلي من الإشارة إلى مجوّعي الشعب الكونغولي هو أن الله سيعاقبهم على سلوكهم. وتستمر في القول: “إذا لم يكن هناك مكان في قلبك للنظر نحو أولئك الذين هم تحتك، لن يكون هناك مكان لك في بيت الله.”
من الواضح أن البرجوازية الوطنية لا تقلق على الإطلاق بشأن مثل هذا الاتهام. وبفضل أطوال الموجات التي تم ضبطها في أوروبا، فإنها تواصل بثبات وحزم الاستفادة القصوى من الوضع. يتم تصدير الأرباح الهائلة التي تجنيها من استغلال الشعب إلى دول أجنبية. وغالبا ما تكون البرجوازية الوطنية الشابة أكثر تشككا في النظام الذي أقامته من الشركات الأجنبية.
ترفض البرجوازية الوطنية أن تستثمر في بلدها وتتصرف تجاه الدولة التي تحميها وتغذيها، وهو أمر لا بد من الإشارة إليه، بجحود مدهش. تكتسب ضمانات في الأسواق الأوروبية، وتنطلق لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في باريس أو هامبورغ. إن سلوك البرجوازية الوطنية في بعض البلدان المتخلفة يعيد إلى الأذهان سلوك أعضاء العصابة، الذين يخفون بعد كل عملية نصيبهم في المسروقات من الأعضاء الآخرين الذين هم شركاؤهم ويبدأون التفكير بحكمة في التقاعد.
يُظهر مثل هذا السلوك أن البرجوازية الوطنية ستخسر، بشكل أو بآخر، إذا استمرت اللعبة طويلاً. إنها تعتقد أن الوضع القائم لن يدوم إلى أجل غير مسمى، لكنها تنوي تحقيق أقصى استفادة منه. غير أن مثل هذا الاستغلال والاحتقار لهذه الدولة يثير حتمًا سخطًا بين جماهير الشعب. في هذه الظروف يصبح النظام أكثر قسوة.
في غياب البرلمان، فإن الجيش يصبح هو الحكم: ولكن عاجلاً أم آجلاً سوف يحقق سلطته ويسيطر على رأس الحكومة ويهدد المنفستو. وكما نرى الأمر، لم تتعلم البرجوازية الوطنية في بعض البلدان المتخلفة من الكتب. إذا نظرت عن كثب إلى بلدان أمريكا اللاتينية نجد أنها بدون شك تعرفت على المخاطر التي تهددها. وهكذا يمكننا أن نستنتج أن هذه البرجوازية المصغرة التي تقذف بنفسها إلى الواجهة محكوم عليها بأن تتراوح خطاها دون أن تحقق أي شيء.
في البلدان المتخلفة، تكون المرحلة البرجوازية مستحيلة وقاحلة. من المؤكد أن هناك ديكتاتورية الشرطة والطبقة المتربِّحة، ولكن يبدو أن بناء مجتمع برجوازي متقن محكوم عليه بالفشل. إن صفوف المنتفعين الموشكين على المغادرة الذين يستولون على الأموال من البلدان التي يضربها الفقر سيصبحون عاجلاً أم آجلاً رجالاً من القش في أيدي الجيش، يتعامل معهم الخبراء الأجانب بذكاء. وبهذه الطريقة، تمارس البلد الأم السابقة الحكم غير المباشر، سواء بواسطة البرجوازية التي تدعمها أو من قبل الجيش الوطني بقيادة خبرائها، وهو جيش يثبِّت الشعب ويوقف حركته ويرهبه.
إن الملاحظات التي تمكنا من القيام بها حول البرجوازية الوطنية توصلنا إلى نتيجة لا ينبغي أن تكون مفاجئة. ففي البلدان المتخلفة، لا ينبغي السماح للبرجوازية أن تجد الظروف اللازمة لوجودها ونموها. وبعبارة أخرى، فإن الجهود الجماعية للجماهير بقيادة حزب ومثقفين واعيين جداً ومسلحين بالمبادئ الثورية يجب أن تغلق الطريق أمام هذه الطبقة المتوسطة غير المجدية والمؤذية.
ونواصل….