الالتفاف حول مطلب العلمانية برفض مطلب تقرير المصير

الالتفاف حول مطلب العلمانية برفض مطلب تقرير المصير
محمد جلال هاشم
MJH
الخرطوم 13 يناير 2020م
هذه الايام، وبالطبع فيما سيلي من ايام، بدأت تطالعنا العديد من الاصوات التي تأتي من الاتجاهات الأربعة، وبعضها تلقاء الجبال والنيل الأزرق، لتعبر عن رفضها لمطلب تقرير المصير. ترى إلى أي مدى تنطوي هذه الآراء على تناغم او تناقض، وانعدام للمنطق أو توفر له؟ دعونا نتأمل فيها انطلاقا من الحقائق على الواقع!
الحقائق الآن، وبموجب المفاوضات الجارية في جوبا، فإن مطلب تقرير المصير بالنسبة للحركة الشعبية قد أصبح موقفا تفاوضيا مقابل العلمانية كمطلب مبدئي. وعليه، هذا يقتضي أن يتم التعامل أولا مع المطلب المبدئي؛ فإذا كانت طبيعة هذا التعامل هو الرفض و/أو الاعتراض على هذا المطلب المبدئي، فعندها يجوز منطقيا الانتقال إلى التعامل مع الموقف التفاوضي تجاه تقرير المصير، إما بقبوله أو رفضه. والنقطة التي نريد تسليط الضوء تكمن في السؤال التالي: ما الذي يجعل أي شخص يتوجه بالحديث عن المطلب التفاوضي، قافزا فوق المطلب المبدئي؟ تخيلوا معي أن تذهب إلى صاحب البقالة وتطلب منه أن يعطيك زجاجة ببسي حمية diet وفي حال العدم يعطيك زجاجة ببسي عادية؛ فإذا بصاحب البقالة يرد عليك قائلا: إنه لن يعطيك زجاجة الببسي العادية لأنها مليئة بالسكر وهو لا ينفع معك! فهذا يعني بالضرورة أن زجاجة الببسي حمية غير متوفرة، بالإضافة إلي موقفه الرافض لإعطائك خيارك الثاني.
ولهذا فإن تصاعد هذه الأصوات التي بدأت تهب علينا من كل الاتجاهات، وكذلك من تلقاء الجبال والنيل الأزرق، لتقفز فوق مطلب العلمانية وتعلن رفضها لتقرير المصير، تعني فيما تعني، ترجيحا، انها تستبطن رفض العلمانية اولا ومن ثَمَّ تتوقَّى بإردافه برفضها لمطلب تقرير المصير الذي يترتب منطقيا على رفض مطلب علمانية الدولة.
على هؤلاء أن يكونوا شجعانا وأمينين مع أنفسهم ومع شعب المنطقتين، ثم مع الشعب السوداني كله. لقد عانى شعب المنطقتين على يد الدولة الدينية للنظام البائد من التقتيل والقصف الجوي تحت حجج الجهاد وذلك لعقود طوال. هذا مع أنه يقع ضمن دافعي الضرائب لهذه الدولة. أي أنه ظل يقتَّل ويقصف بما يدفعه من مال. في الدولة الوطنية التي تستمد قوتها المالية في الأساس مما يدفعه الشعب من ضرائب، ما من شعب شرعت دولته بتقتيله بشكل جماعي إلا واستحق خيار أن يقرر إذا ما كان يريد أن يستمر كجزء من هذه الدولة الظالمة.
الوطنية في الدولة الوطنية ليست قيمة سرمدية، بل هي قيمة قابلة للنفاد it has an expiry date!. ويبدأ تاريخ نفادها من اللحظة التي تشرع فيه الدولة الوطنية بفقدان طبيعتها الوطنية نفسها وذلك بتخليها عن أهم شرط للدولة الوطنية، ألا وهو علمانيتها البنيوية. فالدولة الوطنية هي بنيوياً علمانية كونها تستمد سلطاتها من الأرض (الشعب) وليس من السماء (ادعاء التفويض الالهي). وبهذا لا تصبح العلمانية مذهبا فكريا قد يتفق معه الناس أو يرفضونه؛ العَلمانية شرط لازم للدولة الوطنية ولهذا تقوم على المواطنة بصرف النظر عن الدين أو الضمير أو اللون أو السلالة إلخ. فبما انك تدفع الضرائب وتلتزم بالقانون، عندها تتساوى حقوقك مع أي مواطن آخر بصرف النظر عن معتقدك أو لونك أو عرقك أو الجهة التي قدمت منها. في هذا تقف الدولة موقفا إيجابيا متساويا من الجميع، بمختلف معتقداتهم أو خلفياتهم الدلالية والعرقية والجهوية إلخ. فالدولة الوطنية العَلمانية لا تعادي أي دين بمثلما هي لا تنحاز إلى أي دين؛ لكنها في المقابل توفر الجو الصحي والآمن لكل ذي دين في يمارس شعائر دينه دون خوف من أحد ودون أن يتعدى حدوده ليتغول على حدود الآخرين المخالفين له في المعتقد. ولهذا، ما إن تفقد الدولة الوطنية عَلمانيتها وتتبني لها موقفا دينيا، ثم تشرع في التمييز بين مواطنيها على أساس الدين لدرجة إعلان الجهاد ضد بعض مواطنيها، عندها تكون قد توقفت عن أن تصبح دولةً وطنيةً بحق وحقيق. وعندها تبدأ روح الوطنية في النفاد.
دعونا نتأمل في كيف ولماذا انفصل جنوب السودان وأصبح دولةً مستقلة وها هو الآن يستضيف محادثات السلام لمعالجة نفس المشكلة التي جعلته ينفصل؟ إن منطق الأحداث هذا يشير وبكل وضوح إلى أنه من المنطقي والمتوقع أن تظهر للوجود دولة أخرى تنفصل عن السودان ويكون اسمها هو “جمهورية السودان الجديد” وعاصمتها كادوقلي. ولن يكون مستبعدا أن تستضيف كادوقلي بعد عشر سنوات محادثات سلام بين حكومة السودان القديم وحركات مسلحة متمردة في سبيل إحلال السلام والحيلولة دون تقسيم ما تبقى من السودان القديم. عندها صدقوني سوف يكون المحك هو عَلمانية الدولة من عدمها. والسؤال هو: من المسئول عن تفتيت وبلقنة السودان؟ الذين ظلت الدولة غير العلمانية التي يدفعون لها الضرائب تقتلهم وتقصفهم وتعلن الجهاد ضدهم حتى وصلوا درجة الاكتفاء enough is enough، أم الذين يديرون أمر هذه الدولة الظلوم ويصرون على الاالرابع منذ لحظة تدشينهت تستعيد علمانيتها البنيوية حتى تصبح مرة أخرى دولة وطنية حقيقية تقوم على المواطنة دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الوضع الاجتماعي الاقتصادي إلخ؟
لهذا نطالب من جميع الذين يعلنون عن رفضهم لتقرير المصير وهم يتباكون بدموع التماسيح على الوطنية ووحدة البلاد أن يعلنوا أولا موقفهم من العَلمانية. فإذا كانوا ضدها، فليوفروا علينا نواحهم وعويلهم على الوطنية ووحدة البلاد وليعلموا أنهم هم الذين يفرطون فيها. لقد تم تدشين الدولة الوطنية في عام 1648م بموجب اتفاقية ويستفاليا عندما ثبت أن الدولة الدينية التي كانت تحكم وقتها بادعاء التفويض الإلهي وبالتالي لم تكن دولة وطنية، بل كانت تفرق ولا تجمع لاعتمادها نظام السادة النبلاء مقابل العبيد والأقنان. والآن تكاد تكمل الدولة الوطنية العلمانية قرنها الرابع، وبالتالي تكون قد أصبحت جزءا من بديهيات العصر وشروطه اللازمة المفروغ منها. هذا بينما لا يزال بيننا أناس هم في أفضل حالاتهم متخلفون عن ركب الحضارة بأربعة قرون، كونهم لم يتمكنوا بعد من إدراك واحدة من ارسخ بديهيات الدولة منذ أربعة قرون. هؤلاء هم أعداء السودان الفعليون، وأكثر من ذلك هم أعداء أنفسهم، فالجاهل هو عدو نفسه! هؤلاء هم الذين يقسمون السودان!

موت المناضل akhbarelwatane.net مصطفى كيحل الدكتور : مصطفى كيحل